الشنقيطي

205

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله : بَلى نفي لنفيهم البعث كما قدمنا . وقوله : وَعْداً مصدر مؤكد لما دلت عليه « بلى » ؛ لأن « بلى » تدل على نفي قولهم : لا يبعث اللّه من يموت . ونفي هذا النفي إثبات ، معناه : لتبعثن . وهذا البعث المدلول على إثباته بلفظة « بلى » فيه معنى وعد اللّه بأنه سيكون . فقوله : وَعْداً مؤكد له . وقوله : حَقًّا مصدر أيضا ؛ أيّ وعد اللّه بذلك وعدا ، وحقه حقا ، وهو مؤكد أيضا لما دلت « بلى » . واللام في قوله : لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ [ النحل : 39 ] ، وفي قوله : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النحل : 39 ] الآية ، تتعلق بقوله : « بلى » أي يبعثهم ليبين لهم . . إلخ . والضمير في قوله : لَهُمُ عائد إلى من يموت ؛ لأنه شامل للمؤمنين والكافرين . وقال بعض العلماء : اللام في الموضعين تتعلق بقوله : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [ النحل : 36 ] الآية . أيّ بعثناه ليبين لهم . . إلخ والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) [ 40 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه لا يتعاصى على قدرته شئ ، وإذ يقول للشيء « كن » فيكون بلا تأخير . وذلك أن الكفار لما وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ، ورد اللّه عليهم كذبهم بقوله : بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا بين أنه قادر على كل شيء ، وأنه كلما قال لشيء « كن » كان . وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر ؛ كقوله في الرد على من قال مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) [ يس : 78 ] : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 82 ) [ يس : 82 ] . وبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله : « كن » بل إذا قال للشيء « كن » مرة واحدة ، كان في أسرع من لمح البصر - في قوله : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) [ القمر : 50 ] ، ونظيره قوله : وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) [ النحل : 77 ] ، وقال تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 59 ) [ آل عمران : 59 ] الآية ، وقال : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [ لقمان : 28 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء ؛ لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل ؛ فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم ؛ لأنه لما سبق في علم اللّه أنه يوجد ذلك الشيء ، وأنه يقول له كن فيكون - كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه . أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع ، كتسمية العصير خمرا في قوله : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً [ يوسف : 36 ] - نظرا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال . وقرأ هذا الحرف